محمد علي الحسن

237

المنار في علوم القرآن

وبعد فلقد آن الأوان لمعرفة مقدار ما فسّره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن ، بعد أن تبين لنا فساد القول بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد فسّر جميع القرآن ، بل فساد فهم نسبة هذا القول لابن تيمية ، رحمه اللّه تعالى ، وأن الإمام السيوطي وأستاذنا الذهبي لم يحالفهما التوفيق في هذا الفهم السقيم ، لذا رأينا السيوطي يتدارك ذلك فيما بعد . كما أن تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأكثر القرآن هو قول بعيد عن الواقع ، لأن المدون من تفسيره ليس كثيرا بل هو قليل . نعم لو توسع متوسع في معنى البيان ، حتى يجعله شاملا للأحكام التي زادتها السنة على ما في القرآن ، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وتحريم الحمر الأهلية وكلّ ذي ناب من السباع ، والقضاء بشاهد ويمين ، وغير ذلك ، بل يجعله شاملا للسنة بأسرها كما قال الشافعي : كل ما حكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو مما فهمه من القرآن . أقول : لو توسعنا في معنى البيان - بمثل هذا - لكان مقدار التفسير كثيرا بل يزيد على حجم القرآن . ولكن إن أردنا التفسير بالمعنى المراد عند علماء الحديث ، حين دونوا الحديث ، وجعلوا فيه بابا للتفسير ، فإن التفسير قليل لا يتجاوز المذكور في كتبهم « وهو قليل جدا ، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة » كما يقول السيوطي « 1 » ، الذي وعد عد بسردها في آخر كتاب الإتقان ، وقد وفّى هذا الحافظ - رحمه اللّه - وأوردها بما لا مزيد عليه ، حيث أورد جميع تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اللّه عليه وسلم الثابت في كتب الصحاح والسنن ، وكان نزرا يسيرا وبه لا يصح دعوى أستاذنا الذهبي أن التفسير كان كثيرا . هذا ما انتهى إليه بحثنا في المقدار الذي فسره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن ، وهو قليل ، ولكنه ليس قليلا بالغا من القلة آيات تعد على أصابع اليد الواحدة ثلاث أو أربع آيات ، استنادا إلى الحديث المروي عن عائشة « لم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعدّ ، علمهن إياه جبريل » . فإن هذا الحديث منكر ، كما قاله غير واحد من الحفاظ وأعلام الجرح والتعديل ، لأن من رواته جعفر بن محمد الزبيري

--> ( 1 ) الإتقان 2 / 179 .